الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
307
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح )
فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا « 1 » . دلّ على الاقتصار على الواحدة عند الخوف من عدم العدالة بينهنّ في القسم ، والنفقة ، وغيرهما ، والمراد من « العول » هنا الميل والانحراف عن العدالة ، فمقتضى هذه الآية لزوم المساواة بينهنّ ؛ فإن كان له زوجان ، يجعل ليلتين من الأربع لكلّ واحدة منهما ، وهذا خلاف الأقوال الثلاثة لدى الأصحاب . وأمّا قوله تعالى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً « 2 » ، فقد صرّح أرباب التفسير بأنّ المراد بها العدل في المحبّة ، والمراد من الآية السابقة العدل في القسم والنفقة ؛ فإنّ المحبّة القلبية خارجة عن اختيار الإنسان . وبعض الناس لمّا لم يفهموا معنى الآية ، أوردوا عليها تارة : بأنّ لازمها عدم جواز تعدّد الزوجات ؛ لأنّ التعدّد مشروط بالعدالة ، والعدالة غير ممكنة ، فالتعدّد لا يجوز . ويظهر الجواب عنه بالرجوع إلى التفسير الذي ذكرنا في الفرق بين الآيتين ، وإلّا كان قوله : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ . . . لغواً . وأخرى : بأنّ الآيتين متهافتتان في المعنى ، ومتناقضتان . ويظهر من بعض الروايات أنّ أوّل من أورد هذا الإيراد ، هو ابن أبي العوجاء من زنادقة عصر الإمام الصادق عليه السلام فقد سأل هشام بن الحكم عن ذلك ، فلم يقدر على الجواب ، فجاء إلى المدينة ، فقال الصادق عليه السلام : « ما حملك على السفر في غير وقته ؟ » فذكر إيراد الزنديق ، فأجابه الإمام عليه السلام بما ذكر ، فرجع وأجاب الزنديق ، فأقسم : « أنّ هذا ليس لك » « 3 » . وقد يذكر للآية معنى آخر : وهو أنّ المراد منها استحباب المساواة في النفقات
--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 3 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 129 . ( 3 ) . نقلناه بالتلخيص من تفسير البرهان 3 : 243 - 244 . [ منه دام ظلّه ]